محمد بن إسماعيل الكحلاني الصنعاني ( الأمير )
162
سبل السلام
والتناصح والعدل والانصاف والقيام بالحقوق الواجبة والمستحبة . والرحم الخاصة : تزيد بالنفقة على القريب وتفقد حاله والتغافل عن زلته . وقال ابن أبي جمرة : المعنى الجامع إيصال ما أمكن من الخير ودفع ما أمكن من الشر بحسب الطاقة ، وهذا في حق المؤمنين . وأما الكفار والفساق فتجب المقاطعة لهم إذا لم تنفع الموعظة . واختلف العلماء أيضا بأي شئ تحصل القطيعة للرحم ، فقال الزين العراقي : تكون بالإساءة إلى الرحم ، وقال غيره : تكون بترك الاحسان ، لان الأحاديث آمرة بالصلة ناهية عن القطيعة فلا واسطة بينهما ، والصلة نوع من الاحسان كما فسرها بذلك غير واحد ، والقطيعة ضدها وهي ترك الاحسان . وأما ما أخرجه الترمذي من قوله صلى الله عليه وسلم : ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها فإنه ظاهر في أن الصلة إنما هي ما كان للقاطع صلة رحمه . وهذا على رواية قطعت بالبناء للفاعل وهي رواية ، فقال ابن العربي في شرحه : المراد الكاملة في الصلة . وقال الطيبي : معناه ليس حقيقة الواصل ومن يعتد بصلته من يكافئ صاحبه بمثل فعله ولكنه من يتفضل على صاحبه . وقال المصنف : لا يلزم من نفي الوصل ثبوت القطع فهم ثلاث درجات واصل ومكافئ وقاطع ، فالواصل : هو الذي يتفضل ولا يتفضل عليه ، والمكافئ هو الذي لا يزيد في الاعطاء على ما يأخذه ، والقاطع : الذي لا يتفضل عليه ولا يتفضل . قال الشارح : وبالأولى من يتفضل عليه ولا يتفضل أنه قاطع ، قال المصنف : وكما تقع المكافأة بالصلة من الجانبين كذلك تقع بالمقاطعة من الجانبين فمن بدأ فهو القاطع فإن جوزي سمي من جازاه مكافئا . 3 - ( وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن رسول الله ( ص ) قال : إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ، ووأد البنات ، ومنعا وهات ، وكره لكم قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال متفق عليه . الأمهات : جمع أمهة لغة في الأم ، ولا تطلق إلا على من يعقل بخلاف أم فإنها نعم ، وإنما خصت الأم هنا إظهارا لعظم حقها وإلا فالأب محرم عقوقه . وضابط العقوق المحرم كما نقل خلاصته عن البلقيني وهو : أن يحصل من الولد للأبوين أو أحدهما إيذاء ليس بالهين عرفا ، فيخرج من هذا ما إذا حصل من الأبوين أمر أو نهي فخالفهما بما لا يعد فالعرف مخالفته عقوقا ، فلا يكون ذلك عقوقا ، وكذلك لو كان مثلا على أبوين دين للولد أو حق شرعي فرافعه إلى الحاكم فلا يكون ذلك عقوقا ، كما وقع من بعض أولاد الصحابة شكاية الأب إلى النبي صلى الله عليه وسلم في احتياجه لماله ، فلم يعد النبي صلى الله عليه وسلم شكايته عقوقا : قلت : في هذا تأمل فإن قوله صلى الله عليه وسلم : أنت ومالك لأبيك دليل على نهيه عن منع أبيه عن ماله وعن شكايته . ثم قال صاحب الضابط : فعلى هذا العقوق أن يؤذي الولد أحد أبويه بما لو فعله مع غير أبويه كان محرما من جملة الصغائر ، فيكون في حق الأبوين كبيرة ، أو مخالفة الامر أو النهي فيما يدخل فيه الخوف على الولد من فوات نفسه أو عضو من أعضائه في غير الجهاد